محمد ابراهيم شادي
تمهيد 9
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
وكان العلماء على يقين من أن الإعجاز في القرآن إنما تبدو ملامحه بالنسبة إلى أساليب البشر ، وإمكانات بلاغتهم وحدود طاقتهم الفكرية والتعبيرية ، إنه الفرق بين أثر من آثار رحمة اللّه وقدرته وبين نتاج بشري ، ذلك الفرق يظل مجرد إحساس أو اجتهاد شخصي ما لم تنشأ الدراسة الموضوعية التي تستقصي النظر في الأسلوبين لتحسس الملامح والمعالم حتى تبدو الفروق محددة ظاهرة . لقد كان العلماء على يقين من أن جهات الإعجاز هي جهات التميز والتفوق والتفرد ، فهل يظهر التميز والتفوق والتفرد إلا بالموازنة الموضوعية ؟ لكن هؤلاء العلماء أو كثيرا منهم تهيبوا الطرق على ذلك الباب ، ولعل ذلك لشدة التفاوت بين النص القرآني والنص البشري ، فكانوا يستبعدون الموازنة بين كلام اللّه وكلام البشر ، لأنهم رأوا في الموازنة بين الأسلوبين موازنة بين مصدر الأسلوبين ، أي بين الخالق والمخلوق ، لأن الأسلوب أثر من آثار صاحبه . لكن هذا لم يمنع علماء آخرين من التصدي لهذا النهج ناظرين إلى الغاية الشريفة التي يحققها وهو الوقوف على الخصائص المميزة للأسلوب القرآني ، وتقديم الدليل العلمي على أن القرآن الكريم فوق طاقة البشر ، وأنه قطعا من عند اللّه عز وجل ولا تقتضي الموازنة بين كلامين موازنة بين مصدري هذين الكلامين ، وكان أول من طرق باب الموازنة هو الرماني ( ت 386 ه ) لكنه الطرق الخفيف المتهيب حين وازن بين قوله تعالى : ( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ) [ البقرة : من الآية 179 ] وبين قول العرب : " القتل أنفى للقتل " وخرج من هذه الموازنة بأن الجملة القرآنية أسلس نظما ، وأكثر فائدة ، وله في ذلك كلام دقيق ردده العلماء من بعده ولم يتجاوزوه ، إلا ما كان من الباقلاني ( ت 403 ه ) الذي لا يدخل صنيعه في صميم الموازنة الموضوعية « 1 » . وكان عبد القاهر ( ت 471 ه ) على ثقة بمنهج الموازنة كأفضل السبل لمعرفة وجوه الإعجاز ، وقد ألمح إلى هذا كثيرا وسماه بالمفاضلة ونجح في وضع تصور لمنهج سليم يسعى إلى تقديم القواعد الكلية الناشئة من التتبع والاستقراء
--> ( 1 ) سيأتي تفصيل هذا في أثناء البحث .